السيد علي الحسيني الميلاني

128

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

عمّار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما . وجاء : إن عماراً دخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : مرحباً بالطيّب المطيب ، إن عمّار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيماناً ، وفي رواية : إن عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه . وتخاصم عمار مع خالد بن الوليد في سرية كان فيها خالدٌ أميراً ، فلما جاءا إليه صلّى اللّه عليه وسلّم استبّا عنده ، فقال خالد : يا رسول اللّه أيسرّك أن هذا العبد الأجدع يشتمني ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا خالد ، لا تسبّ عماراً ، فإن من سبّ عمّاراً فقد سبّ اللّه ، ومن أبغض عماراً أبغضه اللّه ، ومن لعن عماراً لعنه اللّه ، ثم إن عماراً قام مغضباً ، فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه فرضي عنه » ( 1 ) . أقول : وهنا أيضاً حاولوا الدفاع عن عثمان وتبرير ما فعل ، فزعم بعضهم : إن الذي ضربه بعض غلمان عثمان ، وأضاف آخر فقال : بغير إذنه . لكن الأكثر قالوا : إن عماراً قد أساء الأدب ، وللإمام أن يعزّر ويؤدّب ، وهذا كلام القاضي عبد الجبار والتفتازاني وابن تيمية ، فإنه قال : « وفي الجملة ، فإذا قيل : إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمّاراً ، فهذا لا يقدح في أحد منهم ، فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنّة وأنهم من أكابر أولياء اللّه المتّقين . وقد قدّمنا أن ولي اللّه قد يصدر منه ما يستحق العقوبة الشرعية فكيف بالتعزير ؟ » . قالوا هذا ونحوه ، وكأنهم قد تناسوا ما رووا عن النبي صلّى اللّه عليه وآله في الثناء على عمّار ومدحه ، والتحذير من سبّه وبغضه ، فكيف بالضرب الموجب لغشوته ؟ وكأنهم فهموا منه ما لم يفهمه كبار الصحابة والتابعين ، الذين أنكروا على عثمان ضرب عمّار وإهانته ! !

--> ( 1 ) السيرة الحلبية 2 / 265 .